يرى الدكتور كامران يغانغي، في مقاله المنشور بموقع ميدل إيست مونيتور، أن العالم يدخل مرحلة جديدة تعيد صياغة مفهوم دبلوماسية الطاقة، بعدما صارت الخوارزميات والذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من إدارة أسواق النفط والغاز، في تحول قد يغيّر مكانة القوى التقليدية مثل منظمة أوبك ويعيد رسم موازين النفوذ العالمي.


ويشير ميدل إيست مونيتور إلى أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، والحروب في الشرق الأوسط، واضطرابات الممرات البحرية، والهجمات السيبرانية على البنية التحتية، دفعت الحكومات والشركات إلى الاعتماد بصورة متزايدة على أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل الأسواق والتنبؤ بالأزمات والتحكم في تدفقات الطاقة العالمية.


الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أسواق الطاقة


يوضح الكاتب أن دبلوماسية الطاقة طوال العقود الماضية ارتبطت بثلاثية واضحة: النفط والأمن والجغرافيا السياسية. سيطرت الدول المنتجة للنفط على الأسواق عبر التحكم في الإنتاج والتحالفات السياسية والممرات الاستراتيجية، بينما لعبت أوبك دور القلب النابض للنظام النفطي العالمي.


لكن المشهد تغيّر بصورة جذرية مع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة. تعتمد شركات الطاقة الكبرى والمؤسسات المالية حالياً على أنظمة قادرة على معالجة ملايين المتغيرات في اللحظة نفسها، بدءاً من صور الأقمار الصناعية لحركة ناقلات النفط، وصولاً إلى بيانات الطقس والأسواق المالية واتجاهات الرأي العام على وسائل التواصل الاجتماعي.


ويرى المقال أن القوة لم تعد حكراً على من يملك آبار النفط فقط، بل انتقلت تدريجياً إلى من يمتلك البيانات والقدرة التقنية على تحليلها بسرعة تفوق المنافسين. لذلك قد يصبح التفوق التكنولوجي أكثر أهمية من حجم الاحتياطات النفطية نفسها خلال العقود المقبلة.


هل تواجه أوبك عصر الخوارزميات؟


يلفت الكاتب إلى أن منظمة أوبك تواجه تحدياً غير مسبوق في ظل الأسواق المتقلبة وسرعة التغيرات السياسية والاقتصادية. احتاجت قرارات خفض أو زيادة الإنتاج سابقاً إلى أسابيع من التفاوض، بينما تفرض التطورات الحالية استجابات فورية تعتمد على التحليل اللحظي للبيانات.


ويتوقع المقال أن تدخل الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تدريجياً في عملية صنع القرار داخل قطاع الطاقة، سواء في إدارة الأزمات أو توقع اتجاهات الأسعار أو تحديد مستويات الإنتاج المناسبة. ولا يعني ذلك اختفاء أوبك بصورة مباشرة، لكنه يعكس تحوّل الحوكمة النفطية من التفاوض السياسي التقليدي إلى إدارة تعتمد بدرجة متزايدة على الخوارزميات والنماذج الرقمية.


ويؤكد الكاتب أن السلطة السياسية لم تعد العنصر الوحيد المؤثر في أسواق الطاقة، إذ بدأت السلطة التقنية تنافسها بصورة متصاعدة، خصوصاً مع توسع دور شركات التكنولوجيا والمؤسسات المالية العملاقة في تحليل البيانات النفطية والتحكم في تدفق المعلومات.


سباق عالمي جديد على البيانات والنفوذ


ينتقل المقال إلى الحديث عن الصراع الدولي الجديد، موضحاً أن المنافسة العالمية لم تعد تتركز فقط حول حقول النفط وخطوط النقل، بل امتدت إلى البنية الرقمية والذكاء الاصطناعي والسيطرة على البيانات.


استثمرت الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي مليارات الدولارات في تطوير تقنيات مرتبطة بأمن الطاقة وتحليل الأسواق. وتحاول بكين ربط نفوذها التكنولوجي بمبادرة الحزام والطريق لتعزيز حضورها في النظام الطاقوي العالمي الجديد، بينما تواصل الشركات الأميركية هيمنتها على قطاعات واسعة من تحليل بيانات الطاقة.


في المقابل، تفتقر دول كثيرة في الشرق الأوسط إلى استراتيجية متماسكة لحماية سيادتها الرقمية وإدارة بيانات الطاقة الخاصة بها، ما قد يخلق شكلاً جديداً من التبعية خلال السنوات المقبلة، ليس بسبب التكنولوجيا النفطية التقليدية، بل نتيجة الاعتماد على بنى رقمية وخوارزميات أجنبية.


ويختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن مستقبل دبلوماسية الطاقة لن يعتمد فقط على احتياطات النفط والغاز، بل سيتحدد أيضاً وفق قدرة الدول على دمج الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والإدارة الرقمية داخل استراتيجياتها الاقتصادية والجيوسياسية.


ويرجّح المقال أن تحافظ الطاقة التقليدية على أهميتها الاستراتيجية، لكن النفوذ الحقيقي في المستقبل قد ينتقل إلى الجهات القادرة على تحويل المعلومات والبيانات إلى أدوات ضغط وتأثير سياسي واقتصادي عالمي.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260516-energy-diplomacy-in-the-age-of-artificial-intelligence-will-algorithms-replace-opec/